![]() |
![]() |
|
|
|
#72 |
|
( عضو مشارك ) ![]() |
رد: المعــلامـــة... (مذكرات)
كان الناس حديثي العهد بدفاتر النفوس أو التابعيات, ولا يشعرون بأهميتها, ويندر أن يحمل أحدهم تابعية (كما تسمى) إلا أناساً قليلين حملوا (تابعية أو بطاقة العربان) حصلوا عليها من المدن في سفرهم. فلم ترسخ أهمية هذا الدفتر في أذهان الناس إلا مع مرور الأيام بعد أن لمسوا الشعور بضرورته وأهميته في مختلف الإجراءات أو المراجعات, حتى أن أحدهم قام بتسجيل حساباته الخاصة أو الديون التي له أو عليه في هذا الدفتر.. في ورقاته الخيالية..!!
كنت أدرِّس في البدء (26)حصة ثم(18)حصة حين أوكل إلى بعض المهام الإدارية بمسمى مراقب أو وكيل غير رسمي, لأن المدرسة لا تتعدى ستة فصول، والطلاب سبعون أو ثمانون طالباً تقريباً.. لدي طموحات كبيرة.. وأعمال إضافية متشبعة. فقد قررت أن أواصل الدراسة في المرحلة المتوسطة, فالمعهد الذي تخرجت فيه لم يعادل بينه وبين شهادة الكفاءة المتوسطة, فانتسبت من المنازل عن طريق مدرسة الريحان(الريحانية الأهلية) ببني ضبيان, أسسها ويشرف عليها الأستاذ سعد المليص, تقدمت لاختبار الصف الأول المتوسط في مدرسة التوفيق المتوسطة بالظفير, وفي نفس العام لاختبار الكفاءة على نظام الثلاث سنوات, وكانت لجنة اختبارنا في(بلجرشي), ولقد اتفقت مع الزميلين: علي بن سعيد وعلي بن عيد علي خوض تجربة نظام الثلاث سنوات, فاستأجرنا سكناً في بلدة بلجرشي وهي أقرب من المدينة مقارنة بغيرها حينذاك.. قضينا أياماً ماتعة, وعدنا لننتظر نتيجة هذا الاختبار, ولا أنسى ذلك الحلم أو الرؤيا, حين كنت أنا وزميلي(علي بن عيد) نسير على سطح منزلنا, وعليه طرقة أو ممر يؤدي من سطح إلى آخر, فرأيت في المنام أننا نسير عبر هذا الممر فتجاوزه علي بن سعيد أما نحن الاثنان فلم نتمكن من العبور وبعد أيام أعلنت النتائج فنجح علي بن عيد فقررت مواصلة الدراسة والانتساب من أجل الحصول على شهادة الكفاءة, ثم الانتساب للمرحلة الثانوية بالمدرسة الريحانية ببني ضبيان, وكان من ضمن المواد الدراسية اللغة الفرنسية والإنجليزية, ولقد قيدت نفسي وأثقلتها بعدد من الالتزامات,في ذلك العام والعام الذي يليه,وهي: 1) التدريس والعمل في المدرسة من الصباح إلى الظهر يومياً بما فيها يوم الخميس. 2) المذاكرة والدراسة في المنزل مع زميل متقاعد يأتي بعد ظهر كل يوم لتدريسي اللغة الإنجليزية, أما اللغة الفرنسية فليس لدي معلم لها وأعتمد على قاموس بسيط. 3) الذهاب بعد صلاة العصر إلى قبيل المغرب لتدريس رجل في القرية في الإملاء, كان موظفاً ليختبر شهادة الخامس الابتدائي. 4) ثم بعد المغرب مباشرة اذهب إلى مدرستي للتدريس فيها للدارسين ليلاً من الأميين بعد أن تأسست مدرسة ليلية رسمية لمحو الأمية, وبعد هذا كله يمكنني مشاركة الزملاء والأصدقاء في السهر معهم إلى ساعتين فأسارع للحاق بهم من أجل الأحاديث الماتعة أو نلعب (ورق البلوت) الذي تعلمناه حديثاً. ولا أعلم تفسيراً مقنعاً لاتساع الوقت حينذاك مقارنة بما نعيشه اليوم.. كان هدفي أن أحصل على شهادة الثانوية العامة وما بعدها، لكني اصطدمت بصعوبة وجود معلمين (خصوصيين) للمواد الصعبة، والمدرسة الريحانية المسائية بعيدة يصعب الوصول إليها باستمرار، ووسيلة النقل (السيارة) غير متوفرة (والحمار) تم بيعه بعد الاستغناء عن خدماته.. ليحل محله (جيب الولز) الذي اقتناه أخي عبدالهادي، ولم أكن مؤهلا لقيادته... مازالت اختبارات شهادات الابتدائية والمتوسطة والثانوية النهائية تتم أمام لجان رسمية مكونة من (رئيس اللجنة والمراقب، وعدد من الملاحظين الأعضاء). وفي عام (1386هـ) عُينت عضواً في لجنة اختبار الصف السادس (الشهادة الابتدائية) في مدرسة عراء بني ضبيان، رئيس اللجنة الأستاذ (محمد بن سعد البركي) كنا أكثر من خمسة عشر شخصاً ننام في غرفة واحدة، يعد لنا الطعام رجل اختاره رئيس اللجنة، وكان رائعاً في عمله، نحضر الخبز على الأقدام من فرن ينشأ لأول مرة في بلدة الباحة، ونظل نتناول منه في الإفطار لعدة أيام، وفي الدور الثاني كان عدد الطلاب المختبرين قليلاً، وسمعنا بنقل مدير التعليم الأستاذ (علي بن سليمان المقوشي) وتعيين الأستاذ (علي معجل) مديراً للتعليم، بعد أن كان قاضياً في الطائف وصديقاً لعمي (أحمد عقيل) وله فضل على أسرته وأبنائه بعد الحريق، وكالعادة حين يأتي مسؤول في أي قطاع، يظل الناس يتحدثون عنه تبعاً لما يصل عنه من أقوال تتعلق بالشدة أو اللين... فكان رئيس اللجنة (محمد بن سعد البركي) يتفاءل خيراً بمدير التعليم الجديد وأن الشدة والحزم مطلوبان لضبط الأمور.. إلى غير ذلك من مزايا المدير الجديد، وأنه من أبناء المنطقة له دراية بأهلها واحتياجاتها، ومع أن بعضنا كان يخالفه الرأي من منطلق أن المرؤوس يفضل المدير غير الشديد إلى جانب أنه كان قاضياً، وطبيعة القاضي تختلف عن شخصية مدير التعليم. في اختبار الدور الثاني فاجأنا مدير التعليم الجديد بزيارة للجنة، وكان الطلاب يختبرون على الأرض ويفترشون الحنابل، فإذا بنا نسمع صوتاً مرتفعاً وانتقاداً حاداً من مدير التعليم على رئيس اللجنة؛ لأن الطلاب يختبرون على الأرض متسائلاً عن المقاعد.. اهتز أعضاء اللجنة لهذه الزيارة. وكان الناس أكثر خوفاً من رؤسائهم أو أكثر صمتاً أمام مديريهم، ولكن رئيس اللجنة بما يملك من هدوء وثقافة وحلم.. أخذ يجيب مدير التعليم بكل ثقة وإقناع، ومن ذلك قوله بعدم توفر المقاعد الكافية للجميع وأن بعضها مكسر، وأخيراً ذهب مدير التعليم.. فتنفسنا الصعداء، وكنا نتساءل عن انطباع رئيس اللجنة بعد هذه الزيارة الملتهبة، سأله أحدنا بخبث علّه غيّر مشاعره نحو المدير الجديد، فأجاب بما لم نكن نتوقع، فقد التمس له العذر على انتقاداته، وأن مدير التعليم من حقه أن ينقد ويوجه... فقاطعه آخر: (ومن حقنا ألا يصيح علينا..) ابتسم رئيس اللجنة.. وضحكنا جميعاً، ولم نزد إلا إعجاباً بثقافته وأخلاقياته. فقد كان يطلب أو يقترح علينا أن نخرج بعد العصر للتنزه في إحدى الجبال أو الشعاب، وبيد كتاب تاريخي أو أدبي، فيختار لنا مكانا بعيداً عن الطرقات والبيوت ومسار النساء الذاهبات أو العائدات لجلب الماء من البئر، فيطلب منا بالتداول قراءة صفحات من الكتاب ونحن نستمع ونستفيد ويناقشنا من منطق حبه للقراءة والمعرفة، وقد كانت فكرة القراءة هذه لا تروق لبعضنا، على الأخص لمن يتعثرون في النحو أو القراءة فيصحح لهم أخطاء القراءة. في العام التالي عُينت مراقباً في لجنة اختبار الشهادة الابتدائية ومسمى (مراقب) يمثل نائب رئيس اللجنة، وكان رئيس اللجنة الأستاذ: (سعيد بن أحمد) فاستوحيت أنه متخوف من قصور قدراتي في هذا العمل لصغر سني وخدمتي القصيرة في التعليم، ومعي ملاحظين أكبر وأقدم مني. وشرعنا معاً في الترتيب للاختبار ووضع أرقام جلوس الطلاب على المقاعد وأسماء الملاحظين، فلمست أنه اطمأن إلى قدراتي في الأعمال الكتابية وإعداد التقرير اليومي والتظريف والتختيم بالشمع الأحمر لظروف أوراق الإجابات، فكان سعيداً واثقاً، يسألني عما تم إنجازه وحسب.. |
|
|
|
#73 |
|
( عضو مشارك ) ![]() |
رد: المعــلامـــة... (مذكرات)
كنا نقضي أياماً تصل إلى أسبوعين في هذه اللجان، نسكن في نفس المبنى، ويقوم المستخدمون (الفراشون) بإعداد الطعام (الأرز واللحم غداء وعشاءً) والمعلبات إفطاراً، ولشدة حرص رئيس اللجنة على الأسئلة وسريتها علمت بأنه قام بتأمينها عند الأستاذ سعد المليص في منزله حين ذهبنا لأخذها مع بداية الاختبار (في الدور الثاني).
في هذه اللجان كنا نقضي أياماً سعيدة وجميلة، لا تخلو من المزاح الذي يؤدي أحيانا إلى أسوأ المواقف، وحين تُكتشف نقطة ضعف عند أحد الزملاء يكون هناك مجالاً للتندر أو التهكم والمزاح، ففي لجنة أخرى من العام التالي، اكتشفنا أن أحد الزملاء يبالغ في أحاديثه ويسرد لنا كلاماً لا يصدقه أحد، فأصبح حين يتحدث (حتى لو كان جاداً أو صادقاً) لا يصدقه الزملاء، فتتناوله الإشارات والألسنة بالتعليقىوعدم التصديق ويظل يواصل (الفقش) كما يسمي حديثه أحد الزملاء ولا يعبأ بمنتقديه، إلى أن يصل به الغضب غايته بسبب الاستهزاء، والإشارات الضاحكة، فينبري ليلتقط أي شيء (كأساً أو كتاباً أو حذاء...) فيقذف به الجالسين كيفما اتفق، فيهرب الأغلبية إلى الفناء ثم يعودون من جديد، وأحياناً يظل مختبئاً خلف الباب أو تحت الدرج ليقبض على من يصطاده. اتخذ له غرفة لنومه (أحد الفصول الصغيرة) بجوار الطريق فافتقد المذياع الذي معه وظل يبحث عنه ويسأل الزملاء ولا جواباً يقنعه سوى المزيد من الضحك والتندر فمن قائل له: (يمكن نسيته في الجبل) وآخر قال: ( يمكن بعته...!!) فما كان منه إلا أن شك في الجميع واتهم أغلب الزملاء عدا رئيس اللجنة وبعضاً من كبار السن ممن هم في منزلة معلميه سابقاً.. وأخيراً اتهم من شك فيهم بأنهم (سرقوا المذياع).. أبلغ رئيس اللجنة بأنه لن يسكت وسيقوم بالشكوى إلى (مركز الأمارة) في تلك المنطقة، حاول رئيس اللجنة إقناعه بأن هذا غير معقول.. أن يقوم أحد من الزملاء بهذه الفعلة!! لعلك تركته على النافذة التي على السابلة فأخذه أحد المارة الصغار، فلم يقتنع وأصر على اتهامه للجميع والتقدم إلى مركز الأمارة، فما كان منا إلا أن جمعنا له مبلغاً يعادل قيمة المذياع (خمسون أو ستون ريالاً) بعد أن حلف كل منا بأنه لا يعلم عنه شيئاً. حقاً لقد كانت الامتحانات ونظامها في تلك الأيام شبحاً رهيباً على الطلاب بإجراءاتها وصرامتها ومع ذلك كان الأمر معتاداً في ذلك الزمن، على اعتبار أنه هكذا يجب أن تكون الامتحانات..!! طلاب الصف السادس الابتدائي ينتقلون من قراهم ومدارسهم البعيدة إلى المدرسة مقر الاختبار، وكذلك طلبة الكفاءة المتوسطة، إضافة إلى ما يتعلق بالاختبار من لجان وأعمال وإجراءات وتقارير يومية ترسل مع أوراق الإجابة إلى مكة المكرمة والرياض مع صور من التقارير للجهات التعليمية المختلفة ثم التقرير النهائي، وتنتظر النتائج وتعلن في المذياع أو الصحف التي يندر وجودها. ولم نتخيل حينذاك أن كل أعمال الاختبارات (الخطيرة والكبيرة) في حينها، ستتم فيما بعد في كل مدرسة وبشكل عادي وبسيط من إعداد الأسئلة حتى إعلان النتيجة. في مطلع عام 1386هـ تم الزواج بعد طول بحث وانتظار، والحياة الزوجية الجديدة تكون بعد الزواج مع الوالدين والإخوة وزوجاتهم والجدات أو العمات (الأسر الممتدة) يعيشون في منزل واحد، يستنكر ويلام من يستقل بنفسه هو وزوجته لانفصاله عن أسرته الكبيرة، ولا أحد يستشعر علنا بشيء من السلبيات أو يعبر عنها، على اعتبار أن هذه الحياة الطبيعية في المجتمع القروي مع القناعة بأهمية التعاون في أعمال الحياة المختلفة. ومع الأيام أخذت هذه الظاهرة أو النظام الأسري يختفي بالتدريج حتى أصبح بقاء الشاب المتزوج مع والديه أمراً نادراً، بعد أن كنت لا أفكر أو لا أجرؤ على اصطحاب زوجتي معي حين ذهبت للدراسة في مركز الدراسات التكميلية لمدة عامين.. وصلنا خبر افتتاح مركز الدراسات التكميلية في كل من مدينة الرياض والطائف، فرغبت في الترشيح له من أجل الانتقال إلى الطائف التي أصبحنا نتشوق للسفر إليها في صيف كل عام حين كانت تزدحم في الصيف بالمرتادين لوجود الديوان الملكي والوزارات الحكومية.. وكما علمنا بأن هناك حوافز مالية زيادة على الراتب أثناء الدراسة إلى جانب الرغبة في مواصلة الدراسة ظناً مني أن شهادة مركز الدراسات ستمكنني وتؤهلني للجامعة.. |
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
![]() |
|
![]() |