![]() |
![]() |
|
|
#1
|
|||||||
|
|||||||
|
والله إنه لنقص كبير في نفسي!
عندما بزغت شمس الهداية من قمة جبل النور ، ولامس شعاعها شغاف القلوب الحية، تفاعلت هذه القلوب ، وانجذبت بكليتها لهذا النور الهادي ، الذي أبان لها حقيقة الكون.... وحقيقة النفس.... وحقيقة الحياة....
لكن هذا النور كان للقلوب المريضة عمى ، مما جعلهم يتخبطون ضحوة وعشيا يبحثون عن أنجع الوسائل وأسرعها في إطفاء هذا النور الرباني ! وعندما عجزت حيلتهم ، وتلجلجت حجتهم ، لجئوا للوسيلة التي يلجأ إليها كل عاجز : الضرب والتعذيب. كانت النتيجة أن أشتد الأذى بالفئة (الضالة عن عرف قريش) وبلغ بهم الجهد مبلغه. فما كان من صاحب النور والهدى صلى الله عليه وسلم ، العاجز في تلك اللحظة عن منع الظلم إلا أن أذن عليه الصلاة والسلام لمن أراد منهم النجاة بدينه أن يذهب إلى الحبشة حيث الملك العادل، الذي لا يهضم عنده الحق، ولا ينتفخ عنده الباطل. كان من ضمن أولئك (الخوارج) الصحابي الجليل عثمان بن مظعون رضي الله عنه، الذي خرج وعينه تذرف دمعا على فراق مهوى الفؤاد ، وقلبه يتفطر ألما على قومه الراضين بظلمات الكفر والضلال. ولكنه الفرار بالدين . هذا الدين النامي في القلب الزكي الطاهر. وبينما هذه الفئة الخارجة في دار غربتها ، تنعم بحسن الضيافة، وعدل القيادة... إذ الأنباء تصلهم بأن الأهل من قريش قد أسلمت، والفتنة قد سكنت..فما كان منهم إلا أن شدوا رحالهم إلى مكة تسبقهم أشواقهم ، ويحدوهم حنينهم.. وما أن اقتربوا من مشارف الحرم حتى تبين كذب الخبر ، فسقط في أيديهم ، ولكن أنى يذهبون، فقد قل الزاد، وانعدمت الراحلة!! وما كان أمامهم من خيار إلا أن يتحملوا الأذى كما كان قبل الهجرة وأكثر، أو أن يبحثوا عن حلول وسط تمكنهم من دينهم وتدرأ عنهم العذاب . كان الجوار في ذلك الوقت تقليدا عربيا ذا قداسة ، يرسخ المجير به سيادته ، ويفرض به مكانته ، ويمتنع فيه المستجير من كل أذى، ويأمن فيه من كل تهديد. لكن ليس كل أحد يظفر بذلك بل تدخل فيه حسابات المصالح والمفاسد ، مما يجعل الظفر به ليس إلا للقلة وكان من بينهم عثمان بن مظعون الذي دخل في جوار الوليد بن المغيرة. وهكذا دخل مكة آمنا مطمئنا، ومضى يعبر دروبها، ويشهد ندواتها، ويخاطب أهلها ، ويجالس كبراءها ، لا يسام خسفا ولا ضيما، ولا يخشى اعتقالا ولا تهديدا، باقيا على العهد ، محافظا على الثوابت ، قائما بحق الله .. ولكن ابن مظعون.. هذا الرجل الذي تشربت روحه معاني القرآن، وترسخت في نفسه قيم الإسلام على أيدي محمد صلى الله عليه وسلم، لم تستقر له روح ، ولم تطمئن له نفس وهو يرى إخوانه من حوله والأذى ينوشهم من كل جانب ، والبغي يطاردهم في كل سبيل.. بينما هو آمن في سربه، بعيد من أذى قومه، يغدوا ويروح في أمان الوليد بن المغيرة، فتثور عزة المسلم في نفسه فيقول: والله ان غدوّي ورواحي آمنا بجوار رجل من أهل الشرك، وأصحابي وأهل ديني يلقون من البلاء والأذى ما لايصيبني، لنقص كبير في نفسي.. الله أكبر ما أرقى هذا الخلق ، وما أنبل هذه النفس!! فمشى إلى الوليد بن المغيرة فقال له في أدب جم ، وعرفان بالجميل: يا أبا عبد شمس وفت ذمتك. وقد رددت إليك جوارك.. فقال له الوليد بلغة تعكس نبل العربي الأصيل حتى ولو كان كافرا: لم يا ابن أخي.. لعله آذاك أحد من قومي..؟ قال بلغة المستيقن من حماية ربه ورحمته : لا. ولكني أرضى بجوار الله، ولا أريد أن أستجير بغيره... قال الوليد بمنطق الحكيم : فانطلق إلى المسجد فاردد عليّ جواري علانية .:كما أجرتك علانية. فانطلقا حتى أتيا المسجد، فقال الوليد: هذا عثمان قد جاء يردد عليّ جواري.. قال عثمان بلسان الحر النبيل : صدق.. ولقد وجدته وفيّا كريما الجوار، ولكنني أحببت ألا أستجير بغير الله.. ثم انصرف عثمان، وبينما هو في طريقه إذا بلبيد بن ربيعة في مجلس من مجالس قريش ينشدهم، فجلس معهم عثمان فقال لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل فقال عثمان: صدقت.. قال لبيد: وكل نعيم لا محالة زائل قال عثمان: كذبت.. نعيم الجنة لا يزول.. فقال لبيد: يا معشر قريش، والله ما كان يؤذي جليسكم، فمتى حدث هذا فيكم..؟ فقال رجل من القوم: إن هذا سفيه فارق ديننا.. فلا تجدنّ في نفسك من قوله.. فرد عليه عثمان بن مظعون حتى شري أمرهما. فقام إليه ذلك الرجل فلطم عينه فأصابها، والوليد بن المغيرة قريب، يرى ما يحدث لعثمان، فقال: أما والله يا بن أخي إن كانت عينك عمّا أصابها لغنيّة، لقد كانت في ذمة منيعة.. فال عثمان – المستعلي على كل أعراف العبيد لغير الله - : بل والله إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله.. واني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس..!! فقال له الوليد: هلم يا بن أخي، ا ن شئت فعد إلى جواري.. قال ابن مظعون:- لا... وغادر ابن مظعون هذا المشهد وعينه تضجّ بالألم، ولكن روحه تتفجر عافية، وسعادة، وسموا.. ولقد مضى في الطريق إلى داره يتغنى بشعره هذا: فان تك عيني في رضا الله نالها يدا ملحدا في الدين ليس بمهتدي فقد عوّض الرحمن منها ثوابه ومن يرضه الرحمن يا قوم يسعد فاني وان قلتم غويّ مضلل لأحيا على دين الرسول محمد أريد بذاك الله، والحق ديننا على رغم من يبغي علينا ويعتدي ويهاجر عثمان إلى المدينة، ليسطر أنصع صفحات التاريخ مع أولئك الأصحاب العظام . هذا التاريخ الذي تتعلم منه البشرية معنى الصمود على المبدأ، والثبات على الحق ، والتضحية من أجل الحرية الحقيقية. وفي دار الهجرة المنوّرة، يتكشفّ جوهر عثمان بن مظعون وتستبين حقيقته العظيمة الفريدة، فإذا هو العابد، الزاهد، المتبتل، الأوّاب... دخل يوما المسجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه جلوس، وكان يرتدي لباسا تمزق، فرقّعه بقطعة من فروة.. فرق له قلب الرسول صلى الله عليه وسلم، ودمعت عيون أصحابه، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: " كيف أنتم يوم يغدو أحدكم في حلة، ويروح في أخرى.. وتوضع بين يديه قصعة وترفع أخرى.. وسترتم بيوتكم كما تستر الكعب..؟!".. قال الأصحاب: " وددنا أن يكون ذلك يا رسول الله، فنصيب الرخاء والعيش".. فأجابهم الرسول صلى الله عليه وسلم قائلا: " إن ذلك لكائن.. وأنتم اليوم خير منكم يومئذ".. وحين كانت روحه الطاهرة تتهيأ للرحيل ليكون صاحبها أول المهاجرين وفاة بالمدينة، وأولهم ارتياد لطريق الجنة، كان الرسول عليه الصلاة والسلام، هناك إلى جواره.. ولقد أكبّ على جبينه يقبله، ويعطّره بدموعه التي هطلت من عينيه الودودتين فضمّخت وجه عثمان الذي بدا ساعة الموت في أبهى لحظات إشراقه وجلاله.. وقال الرسول صلى الله عليه وسلم يودّع صاحبه الحبيب: " رحمك الله يا أبا السائب.. خرجت من الدنيا وما أصبت منها، ولا أصابت منك".. كنت اتمعن في هذه القصة ، وأنا أتابع أخبار المستضعفين في الأرض ، وأنا وكثير من إخواني المسلمين نتقلب في نعيم الدنيا بطنا بظهر ، وأقول: "والله إن هذا لنقص في أنفسنا". يبقى السؤال الصعب: متى تتحرك في نفوسنا غيرة المسلم على أخية المسلم؟ عسى أن يكون ذلك قريبا ! "فاللهم أعنا على نصرة دينك ، وسنة نبيك، وألحقنا بسلفنا الخير عثمان بن مضعون غير خزايا ولا مفتونين" ينبع الصناعية 12/6/1430 ه 5/6/2009م
آخر تعديل ابو سفر يوم
11 08 2010 في 07:08 AM.
|
|
|
#3 |
|
[ مُشرفة قسم الخواطر ] ![]() |
رد: والله إنه لنقص كبير في نفسي!
يعن الله حلان
أهلا بك أستاذي الفاضل ,, قصة رائعه جدا ،، ماأحوجنا لمثل هذه المواضيع لعلها توقض الكثير من الغفلى .. بارك الله فيك وجعل موضوعك هذا في كفة حسناتك واجرك الله به ،، "اللهم أعنا على نصرة دينك ، وسنة نبيك، وألحقنا بسلفنا الخير عثمان بن مضعون غير خزايا ولا مفتونين" اللهم آمين .. |
فكررت توقيعي هناا وش يكووون ,! دمعة قلم..؟ صورهـ..؟ ..اخليه فاااضي.. البيت عيااا لايجي معي موزون ,! والصوره اكبر من جدار افتراضي .. احترت وش اكتب هناا الف مضموون ,! لكن تراا قررت اخليه فااضي.. حتى إشعار آخر,,
|
|
|
#4 |
|
[ مراقب المنتدى العــام] ![]() |
رد: والله إنه لنقص كبير في نفسي!
مبدع اينما حللت
وفقك الله ولطرحك لا عدمنااااااااااااااااااااااااك تحيه لك من الساااااااااااااااااااااحل اااااااااااااالشرقي |
|
|
|
#9 |
|
عبد العزيز
|
رد: والله إنه لنقص كبير في نفسي!
ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدرٍ ولا وبرٍ الا أدخله الله هذا الدين، بعزّ عزيز أو بذلّ ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر "اللهم أعنا على نصرة دينك ، وسنة نبيك، وألحقنا بسلفنا الخير عثمان بن مضعون غير خزايا ولا مفتونين" اللهم آمين
|
سبحان الله وبحمده, سبحان الله العظيم أستعصمُ الله بعصمته التي لا تُهتك، وأسترشده إلى السبيل التي ينجو بها من الردى مَن هلك، وأستوهبه التوفيق لهدايته، والحظ الوافر من طاعته، وأرغب إليه في إلهام حكمته، واجتناب معصيته. ![]()
|
|
|
#10 |
|
مشرف
|
رد: والله إنه لنقص كبير في نفسي!
"اللهم أعنا على نصرة دينك ، وسنة نبيك، وألحقنا بسلفنا الخير عثمان بن مضعون غير خزايا ولا مفتونين"
جزيت الف خير ولايحرمك الاجر أن شاء الله |
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| هيا عطينا الحـق هيـا عطينـا-وان ماعطيتينـه والله لاصـيـح | احسان الظن | الأدب والشعر | 6 | 18 06 2009 08:01 PM |
![]() |
|
![]() |